الدعاة والقائد الملهم
كتبهاهشام بن محمد الغامدي ، في 3 يونيو 2006 الساعة: 22:22 م
الدعاة والقائد الملهم
في طريق الحياة النابهة , تعتور أمور ذات شوك وكدر , تحتاج لعضد أو إزالة , وقد يسبق السيف العذل ويطم السيل بالوادي , ولكن إرادة الدعاة المتقدة وعيونهم اليقظة تبصر الخلل بين الأنواء المبهمة المحدقة فتكشفه ببصيرة الحق أو بنصح الشفيق فتميط الأذى عن الطريق , فتكون الصدقة الدعوية .
وقد تبصرت هنيهة في أمر فخلته هاماً , ولم أكن صاحب سبق في الإلماح له ولكني أبصرته بيناً كالقذى في العين , فأجبرتني مرؤة الدعاة وأخوة الطريق على التنبيه له . .
إن الدعوة في سيرها لابد أن يعتورها الخلل في عجلةٍ أو في مركبةٍ أو في أي جزءٍ من أجزاءها فيفزع أهلها وأهل النواحي المجاورة والملاصقة لإصلاح العطل وإنجاد الركب ويحاولون سد الفتق بسرعة الرتق بالوسائل المتاحة في أيديهم , و ماذاك إلا لأصالة نفوسهم وطيب أصلهم وحسن منبتهم ..
ومن المعلوم أن الدعوة تقوم علي الرجال ويحملها أولو العزم من الصادقين الذين خلت نفوسهم من حظوظ العاجلة رجاء الباقية وأيضا فإن الدعوة الإسلامية قد يأتي رجل فيحييها بعد خبوت ويوري زندها بعد خفوت و ماذاك إلا مصداق لحديث المجددين* وحديث الرواحل* من رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم ولكن حين تسير الدعوة الإسلامية بالشورى القرآنية والنظر الجماعي يكون أبلغ وأنجع وأقل حاجة لنظرية المهدي المنتظر عند الشيعة والقائد الملهم والذي تتعلق به الأمة وتنتظره كما تنتظر وتحلم الفتاة العروب بذلك الفتي الوسيم النبيل الذي سوف يأتيها علي الجواد الأبيض وبلغتنا الحديثة
" الشبح آخر موديل " وفي النهاية يأتيها ولد الجيران المنتف بالكرسيدا .. !!
ولا أسقط هذه النظرة من أساسها فجزء منها صواب والجزء الأكبر الباقي وهمُ كبير فأجل الأعمال التي انتفعت بها الأمة إنما هي أعمال تكافلية جماعية .. وليس هذا موطن ضرب الأمثال وعندي منها غربال !!
أما قضية الرجل الفرد الذي إذا حضر ظهر النشاط واتقدت الحمية وإذا ولي أو ذهب انطفأت المركبة فهي مشكلة منتشرة ولها أسباب وتبعات فتجد النشاط الدعوي به مجموعة من الدعاة المتميزين ولكن لا يتم تفعيلهم أو تحدث ظروف معينة تؤدي لضعف نشاطهم الدعوي أو لا تعطي الثقة الكافية لهم ليؤدوا دورهم علي الوجه المطلوب .. ثم يأتي رجل من الدعاة المخلصين المتميزين إلي هذا العمل الدعوي أو يكون موجوداً فيكلف بإحدى المهام ويظهر تميزه وعطائه فيعطي مهمة أخري , ثم ثالثة ورابعة وخامسة وتتكالب عليه الأعمال والضغوط والأعباء بحجة أن متميز وينجز .. الخ من هذه الحجج الموهمة , ونجد أن المحصلة هي كالآتي :
v من ناحية الداعية المتميز :
1. قد تفتر همته ويضعف وخاصة مع شدة الضغوط وقد تكون الفترة شديدة لا يقوم بعدها أبداً .
2. قد تظهر ملامح الغيرة والحسد من الدعاة الآخرين وخاصةً إذا كان الآخر يملك مواصفات الداعية المتميز"لم يعطي هذا مهام ولم يوثق به هذه الثقة .. الخ " وهي مصيبة كبيرة إذا ظهرت في مجتمع الدعاة .
3. قد تنتج الثقة "الزائدة" إعطاء الداعية المتميز مكانة له أكبر من حجمها فيجفو ويقسو علي إخوانه
v علي الدعاة والمجتمع الدعوي :
1. إهدار الطاقات التي كان في الإمكان استثمارها ولو تم ذلك لكانت النتائج مضاعفة.
2. قد تظهر ملامح الغيرة والحسد من الدعاة الآخرين لم يعطي هذا كل هذه المهام ولم يوثق به كل هذه الثقة .. الخ
3. جعل الأعمال مقرونة بالأشخاص وليست قائمة علي أساس متين .
4. أنه من المعلوم أن لابد من تمييز الصفات في الداعية وإعطاء كل الشخص المكان المناسب له
- وغيرها من الآثار التي لست في موطن استقصاءها ..
وأنا هنا لا أغفل أنه قد يكون لدي الداعية المسود التميز والقدرة القيادية والاستيعاب والقدرة علي الجمع والتحليل وغيرها من الصفات المتميزة ولكن لاينسي أن له إخواناً بإشرافه عليهم إنما زاد عليه العبء في الاحترام لهم وتقدير أعمالهم وإشعارهم بقيمتهم العالية وفي فعله ذاك إنما هو يقتدي بفعل الرسول صلي الله عليه وسلم حين أمر عمرو بن العاص رضي الله عنه علي كبار الصحابة وذلك لبعد نظرة رسول الله صلي الله عليه وسلم لدور عمر بن العاص رضي الله عنه في المستقبل فظن أن الرسول قد قدمه عليهم وأدناه منه بحيث حاز علي الرتبة العليا من حب الرسول صلي الله عليه وسلم وتلك بغية ومطلب كل مسلم فكانت النتيجة ماعلمتم , وأيضاً ماجاء في قصة إسلام سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه من قول الرسول صلي الله عليه وسلم لأخيه الوليد بن الوليد رضي الله عنه وقد أسلم قبله (( أين خالد ؟ قال الوليد فقلت : يأتي به الله فقال عليه الصلاة والسلام : مامثله جهل الإسلام , ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين علي المشركين كان خيراً له ولقدمناه علي غيره ))* وموضع الشاهد هو قوله صلي الله عليه وسلم (( ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين علي المشركين كان خيراً له ولقدمناه علي غيره )) أي انه صاحب دربة ومهارة في قيادة الجيوش وتدبير أمور المعارك ولو جاء لكان له التقديم في ذلك علي غيره علي حداثة إسلامه وفي ذلك فائدةُ جليلة وهي أن الإسلام يحترم التخصص ويطلبه ويعطي المجال لأصحابه بأن يبدعوا ويتولوا المناصب العليا ولو علي من سبقهم , ولكن لا يستغل هذا التميز في التسلط أو التفاخر علي الآخرين أو الاغترار بالقدرات ولهذا حينما خاف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يفتتن الناس ببراعة خالد بن الوليد رضي الله عنه في قيادة المعارك وفي تحقيق الانتصارات العسكرية وينسوا أن النصر من الله أمر بإقالته من منصبه فامتثل القائد خالد بن الوليد رضي الله عنه بكل تواضع وطاعة للأوامر في خدمة القائد الجديد وتلك والله بحق هي المفخرة الكبرى والعز الذي لايأتي بالكلام المنمق وإنما بالمواقف التي تخلد أصحابها ..
فالواجب علينا استغلال حماس المقبل النشيط ولكن بتعقل يشعره بمكانته التي يجب أن يكون بها , وأيضاً بتوجيهه لإعطاء المجال للدعاة الآخرين وفتح مجال للحوار بينهم وتحديد آلية واضحة لإتخاذ القرار وتوصيف الأعمال وكيفية متابعتها , وأيضاً مراعاة الداعية المرهق أو المبتلي بضعف إيماني أو مشكلة اجتماعية أو نفسية أو مادية وغيرها فالدعاة من جنس البشر يضعفون ويمرضون فنكون يداً واحدة تبني ولا تهدم .. لا تهدم الدعوة ومشاريعها ولا تهدم النفوس وشفافيتها , نشبعه بالثقة ونمسك بيده فنهبه التوازن الرباني في حياته ونترك له المجال ليبدع وينطلق في آفاق الدعوة الرحبة بشتى مجالاتها وتخصصاتها .. هكذا تنمو الدعوة بدعاتها وهم الثمر النضيد في شجرتها الباسقة فلا يقطفون باكراً فيهضمون ولا يهملون لحظةً فتسود مشاعرهم وتجف حلاوة الدعوة والإيمان بداخلهم فيركنون ومن ثم .. يسقطون .
أقولها بملء فمي .. آه يادنيا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تأملات | السمات:تأملات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























