دروب النهوض

كتبهاهشام بن محمد الغامدي ، في 26 يونيو 2006 الساعة: 02:00 ص

 
كثيراً ماتأخذ المسلم البصير بحال الأمة الحيرة والألم من الضعف الذي يعتريها , ويري مقابل ذلك نهضةً علميةً وصحيةً وعسكرية وغيرها من صنوف النهضة والقوة عند الغرب, ويظل يفكر ويفكر ماهو السبب ؟ ؟ وكيف نتجاوز هذه المرحلة إلي فضاء القوة أو علي الأقل الندية والتكافؤ مع الخصم وفي خضم هذا التفكير الذي تحدث وتفلسف فيه وعنه الكثيرون كلُ يطرح وجهة نظره والوصفة التي لو "ابتلعتها" الأمة لخرجت من حالة ضعفها … وأنا أيضاً كنت أبحث وأسأل عن ذلك ..
واليوم اطلعت مصادفةً علي صحيح مسلم فشد انتباهي ولفت ناظري هذا الحديث  ..
 
(( قال المستورد القرشي وهو عند عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : تقوم الساعة والروم أكثر الناس فقال له عمرو بن العاص ( أي قال للمستورد القرشي ) أبصر ماتقول فقال المستورد : أقول ماسمعت من رسول الله صلي الله عليه وسلم , فقال عمرو بن العاص : لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعا :
1. إنهم لأحلم الناس عند فتنة .
2. وأسرعهم إفاقةً بعد مصيبة .
3. وأوشكهم كرةً بعد فرة .
4. وخيرهم لمسكينٍ ويتيم .
وخامسةٌٌ حسنةُ جميلة : وهي أنهم أمنع الناس من ظلم الملوك ))  *.
 
في هذا الحديث يثبت رسولنا صلي الله عليه وسلم بقاء الصراع مع الروم النصارى إلي قيام الساعة ويقر بسنةٍ كونية ألا وهي المدافعة قال تعالي ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) وأن الصراع الرئيس هو بين المسلمين والنصارى وباقي الأمم وقوله صلي الله عليه وسلم ( أكثر الناس ) قد تقع له معانٍ كثيرة غير القوة العددية ككثرة السلاح والمال والتحالفات والأعوان فالكثرة عنا تقع علي كل شئ يكون مصدر تفوق .. ومن ثم يطلعنا الصحابي السياسي الداهية المحنك سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه علي خلاصة معرفته بالروم سواء من وفوده عليهم أيام الجاهلية أو من خلال غزواته في بلادهم إبان فتح الشام وفلسطين فيقول فيهم قولة الحق ويمحض قومه النصيحة بأن هؤلاء الروم النصارى مع بغضنا لهم فيهم من الصفات النبيلة التي لامناص من ذكرها ولعلها سبب قوتهم وبقائهم .. فقوله أحلم الناس عند فتنة واضح بين في دهائهم السياسي وصبرهم الطويل ودفع الأموال الطائلة في تنفيذ أهدافهم وخططهم وتجاوزهم المواقف السخيفة مقابل النتائج الاسمي والمصالح الاعلي .. وقوله أنهم أسرع الناس إفاقةً بعد مصيبة وأوشكهم كرةً بعد فرة فذلك جلي واضح من خلال الحروب الصليبية التي خاضوها مرارً وتكرارً وكلما فنيت وأبديت حملة جاءت من وراءها حملةٌ أخري ويتضح ذلك في النهوض السريع بعد الحرب العالمية الأولي والثانية مع أنها أهلكت الحرث والنسل وقضت علي البنية التحتية في المدن وأتت علي اقتصادهم ولكنهم سرعان مايفيقون ويبدؤون بالإصلاح والإعمار وانظر إلي ألمانيا التي دمرتها قذائف الروس وقوات التحالف كيف أصبحت الآن قوة اقتصادية وصناعية مهمة في العالم وكذلك فرنسا وبريطانيا ..فيما نحن لم نتجاوز بعد نكبة 67 فضلاً عن أن نستعيد شيئا مما استولت عليه إسرائيل آنذاك فقمنا نستر عورتنا  بمعاهدات السلام الكسيحة .
وخيرهم لمسكينٍ ويتيم , لعل جهود المنظمات الخيرية الغربية المحلية والدولية لايحتاج إلي دليل وبيان فلو اجتمعت كل منظمات العالم الإسلامي لما شكلت 10% من جمعياتهم الهائلة بمصادر دخلها الكبير جداً وكان من المحزن أن أحد المسؤلين الغربيين قال بعد كارثة تسونامي أنه بينما كانت الجمعيات الاغاثية الغربية التنصيرية وغير التنصيرية تسارع بنجدة المنكوبين كانت بعض الجمعيات والعلماء المسلمين يتحاورون في هل يجوز تقديم المساعدة لهم أم لا لإن هذا عقاب الهي, وماخبر تفرغ الزعماء والمشاهير الغربيين للأعمال الخيرية ورعايتها وآخرهم بيل جيتس عنا ببعيد  ..
وآخر النقاط علي الحروف التي وضعها لنا أبو عبد الله عمرو بن العاص رضي الله عنه أنهم أمنع الناس من ظلم الملوك .. فحين يتوقف الظلم من الحكام ويعطي كل ذي حق حقه ويمنع الضعيف من بطش القوي ويوزع المال بالعدل والإنصاف يتنمي شعور المرء بالاستقرار وتنمو البيئة للإبداع العلمي والوظيفي ويتفرغ الأفراد للعمل الخلاق والحياة الكريمة الهانئة .. وهو جوهر ماتوفره كثير من الدول الغربية التي وجد بها كثير من المسلمين مقراً آمناً لهم من بطش أوطانهم ..
وفي الختام أؤكد علي أن في الغرب الكثير مما يخالف هذه الخصال ولكن الحق يقال بكل أطرافه وجوانبه وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( إن عاقبة الظلم وخيمة فالله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة ) مجموع الفتاوي ج 28 .
وأن علينا أن نتهتم بهذه الخصال ونهتم بها علي الاقل نحن كأفراد وأيضاً الجمعيات الوطنية المخلصة يجب أن نتجاوز الكبوات والاخطاء سريعاً وأن نعفو عن من يخالفنا الرأي في الامور التي تقبل الاختلاف ونتسامح معه وتتسع صدورنا لبعضنا البعض سواء الاقارب والارحام أو الاصدقاء والاصحاب أو الجماعات العاملة في المجتمع ونهتم بفقراءنا وضعفائنا ونأخذ بأيديهم الي بر الامان ولاندعهم فريسة سهلة للشيطان أو الطريق الخطأ ونعلم أبناءنا فضيلة العدل وكره الظلم من صغرهم والعزة وعدم الرضي بالدنية فإذا حققنا هذا في المستويات التي نقدر عليها فإننا حينئذ نسير في الطريق الصحيح .. آه يادنيا   
************** 
* الحديث في صحيح مسلم برقم 2898 وأيضاً في مسند الإمام أحمد والمعجم الأوسط والكبير ومسند البزار
قال الشيخ شعيب الارناؤوط أن الحديث صحيح علي شرط الصحيح .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تأملات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر